علي بن أحمد المهائمي

50

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وذلك أن المرآة إذا صقلت وزال عنها الصدأ ، أليس تتجلى فيها صورة الناظر إليها حسنا أم قبيحا ، فإن جاء أحد خلفه تجلت صورته في المرآة ، فعند ما نظر إليها والحاضرون معه قال : خلفي إنسان ، أو شيء على صورة كذا وكذا حتى يستوفي ما رأى ، وهو لم يره بعينه الرؤية المعهودة ، والتصديق بهذا واجب ؛ فإنه محسوس ، والمعقول نظير المحسوس ، فكذلك الإنسان إذا عمد إلى مرآة قلبه فجلاها بالرياضات والمجاهدات أظهر فيها المغيبات من المعقولات والمكاشفات فنطق بما شاهد ، ووصف ما رأى . فيا ليت شعري طالب الدليل على هذا العلم هل أحاط علمه بجميع معاني الكتاب والسّنة ، حتى يقال له : هو من كذا على حالة دليل العقل . فغاية العاقل الذي حصل له عقل التكليف ووقف عند أحكامه من واجب وجائز ومستحيل : أن يجعل ما نطق به هذا الصوفي من قبيل الجائز ؛ لأنه ما أتى بشيء يهدم ركنا من أركان الشريعة ، ولا من أركان التوحيد ، ولا قضيته من قضايا العقل ، فالمنكر إنما حرم نفسه حيث صوّر صورة من نفسه واتصف بها ، وهو الإنكار الناشئ منه الراجع عليه ، والصوفي منزه عما نسب إليه . ونختم الرسالة بهذه الحكاية ، وذلك أن قرة عين العارفين ، وثمرة فؤاد العاشقين ، رئيس هذا الشأن الشيخ قضيب البان الموصلي [ . . . ] « 1 » عليه في الاستغراق . [ . . . ] « 2 » عليه كنت عند الأستار . . . شارح التنبيه القاضي [ ابن الزملكاني ] « 3 » سلّمه اللّه . فقدم الموصل فذكر أصحابه قضيب البان ووقعوا فيه ، ووافقهم القاضي كمال الدين ، فبينما هم يخوضون فيه ويتناولونه إذ دخل عليهم قضيب البان رضي اللّه عنه ، فبهتوا ، وسقط ما في أيديهم ، فألتفت إلى القاضي كمال الدين ، وقال له : يا ابن يونس أنت تعلم كل ما يعلمه اللّه تعالى ؟ قال : لا ، قال : فإن كنت أنا من ذلك العلم الذي لا تعلمه ؟ فانقطع القاضي كمال الدين ، ولم يدر ما يقول ، فانكب على أقدام قضيب البان يقبلها ويبكي ، ويقول : اعف عني ، فعفا عنه . فطوبى لعبد أقبل على الاجتهاد ، والاستعداد بالزاد ، ليوم المعاد ، واشتغل بعيبه عن الناس ، فدخل في قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أولئك الأكياس » « 4 » ، والحمد للّه ، وسلام على عباده الذي اصطفى ، وآله أهل الصدق والصفا . هذا الدر الثمين في محاسن الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه ، تأليف الشيخ الكامل المكمّل ،

--> ( 1 ) كلمات غير واضحة بالأصل . ( 2 ) بياض بالأصل . ( 3 ) بياض بالأصل . ( 4 ) رواه ابن ماجة ( 2 / 1423 ) ، والبيهقي في « الشعب » ( 6 / 235 ) .